الشوكاني
5
فتح القدير
بالحق ، ويجوز أن تكون الباء للسببية ، فتتعلق بنفس الفعل ( فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) اي بعد حديث الله وبعد آياته ، وقيل إن المقصود : فبأي حديث بعد آيات الله وذكر الاسم الشريف ليس إلا لقصد تعظيم الآيات فيكون من باب : أعجبني زيد وكرمه . وقيل المراد بعد حديث الله ، وهو القرآن كما في قوله - الله نزل أحسن الحديث - وهو المراد بالآيات ، والعطف لمجرد التغاير العنواني . قرأ الجمهور " تؤمنون " بالفوقية ، وقرأ حمزة والكسائي بالتحية . والمعنى : يؤمنون بأي حديث ، وإنما قدم عليه لأن الاستفهام له صدر الكلام ( ويل لكل أفاك أثيم ) أي لكل كذاب كثير الإثم مرتكب لما يوجبه ، والويل واد في جهنم . ثم وصف هذا الأفاك بصفة أخرى فقال ( يسمع آيات الله تتلى عليه ) وقيل إن يسمع في محل نصب على الحال ، وقيل استئناف ، والأول أولى ، وقوله ( تتلى عليه ) في محل نصب على الحال ( ثم يصر ) على كفره ويقيم على ما كان عليه حال كونه ( مستكبرا ) أي يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد للحق ، والإصرار مأخوذ من إصرار الحمار على العانة ، وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه . قال مقاتل : إذا سمع من آيات القرآن شيئا اتخذها هزوا ، وجملة ( كأن لم يسمعها ) في محل نصب على الحال أو مستأنفة ، وإن هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ( فبشره بعذاب أليم ) هذا من باب التهكم : أي فبشره على إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات بعذاب شديد الألم ( وإذا علم من آياتنا شيئا ) قرأ الجمهور : علم بفتح العين وكسر اللام مخففة على البناء للفاعل . وقرأ قتادة ومطر الوراق على البناء للمفعول . والمعنى : أنه إذا وصل إليه علم شئ من آيات الله ( اتخذها ) أي الآيات ( هزوا ) وقيل الضمير في اتخذها عائد إلى شيئا ، لأنه عبارة عن الآيات ، والأول أولى . والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى كل أفاك متصف بتلك الصفات ( لهم عذاب مهين ) بسبب ما فعلوا من الإصرار والاستكبار عن سماع آيات الله واتخاذها هزوا ، والعذاب المهين هو المشتمل على الإذلال والفضيحة ( من ورائهم جهنم ) أي من وراء ما هم فيه من التعزز بالدنيا والتكبر عن الحق جهنم ، فإنها من قدامهم لأنهم متوجهون إليها ، وعبر بالوراء عن القدام ، كقوله ( من ورائه جهنم ) وقول الشاعر : أليس ورائي إن تراخت منيتي * وقيل جعلها باعتبار إعراضهم عنها كأنها خلفهم ( ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ) أي لا يدفع عنهم ما كسبوا من أموالهم وأولادهم شيئا من عذاب الله ، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع ( ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ) معطوف على ما كسبوا : أي ولا يغني عنهم ما اتخذوا من دون الله أولياء من الأصنام ، و " ما " في الموضعين إما مصدرية أو موصولة ، وزيادة لا في الجملة الثانية للتأكيد ( ولهم عذاب عظيم ) في جهنم التي هي من ورائهم ( هذا هدى ) جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر يعني هذا القرآن هدى للمهتدين به ( والذين كفروا بآيات ربهم ) القرآنية ( لهم عذاب من رجز أليم ) الرجز أشد العذاب . قرأ الجمهور " أليم " بالجر صفة للرجز . وقرأ ابن كثير وحفص وابن محيصن بالرفع صفة لعذاب ( الله الذي سخر لكم البحر ) أي جعله على صفة تتمكنون بها من الركوب عليه ( لتجري الفلك فيه بأمره ) أي بإذنه وإقداره لكم ( ولتبتغوا من فضله ) بالتجارة تارة ، والغوص للدر ، والمعالجة للصيد وغير ذلك ( ولعلكم تشكرون ) أي لكي تشكروا النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) أي سخر لعباده جميع ما خلقه في سماواته وأرضه مما تتعلق به مصالحهم وتقوم به معايشهم ، ومما سخره لهم من مخلوقات السماوات : الشمس والقمر والنجوم النيرات والمطر والسحاب والرياح ، وانتصاب جميعا على الحال من ما في السماوات وما في الأرض أو تأكيد له ، وقوله : منه يجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لجميعا : أي كائنة منه ، ويجوز أن يتعلق بسخر ، ويجوز أن يكون حالا من ما في السماوات ، أو خبرا لمبتدأ محذوف . والمعنى : أن كل ذلك رحمة منه